مساحة حرةمقالات

مُبتكر في مجتمع مُتمثل

الكاتبة : شوق السماعيل ١٩ ربيعاً

 

يحدث أن تترعرع في مُحيطٍ شحيح الدعم يعتقد بأن التشجيع محض عبارات زائفة تُردد بإستمرار على اساسات مُتهالكة هشّة هتِف الجميع لي بنغمة واحدة : ” فخورين فيك ” بينما ما كان سوى محض اباطيل لم تُعزز بمزاولة أعمال تُساهم بتأكيد تلك العبارة ووجوب تحقيقها.

 لو أنني سألت احد اولئك الذين اشاروا لي بالفخر على الدوام مبلغاً ضئيلاً لإستكمال دفع مستحقات دار النشر  أو مجرد تقدي خدمة معنوية بسيطة , لتحجج بعدم مقدرته , أو بعدم امتلاكه للمال , أو ربما بعدم صحة سماعه , أو ربما ادعىّ الجنون ورفض ذلك بطريقةٍ أو بأخرى.

يعتقد معظم أفراد مجتمعنا العربي أن الدعم محض عبارات مُتناغمة تتدفق على المسامع بعذوبة كما تتدفق الصلصة على رأس الساندويتش ! يهتفون : ” فخورين فيك ” ولو طلبت من احدهم أن يُقرضني المال سلفاً لـ فرّ بلا عودة يهتفون : ” فخورين فيك ” ولو سألت احدهم دعماً معنوياً لادّعى بإنشغاله وفي احيانٍ كثيرة تُدرك تمام الإدراك أن ذلك الذي لا يُجيد سوى الحديث المعسول سيكون أول من سيهمز ساخراً ريثما تتعثر ستجِد الكثير منهم يلتمّ شمله بك بعد إذ اتزن كيانُك واستقام دربك , وف حي اعوجاجك لن تسمع سوى صوت صرير الليل وسكَناته , أو ربما حفيف الشجر وهمساته, ما حاجتنُا بدعمٍ مشحون بمنّة بعد إذ وِقفنا مُنتشي بإنتصاراتنا ? أين كان دعمك حي كُنت ف أوج افتقاري إلى المعونة ? أين كان كرمُك حي اشتحنت ألى من يؤزارني ويشدُد من عضدي ? أين كان تشجيعك ف خضم خسائري ?
إن مشكلة مجتمعنا العربي هو منحه الحفاوة المُطلقة على من ليسوا بأهلٍ لها , فتجد برامج التي ڤي تستضيف من الأشخاص ما يُخجل خوض أي حوار سطحي معه أو مجرد تبادل كلماتٍ عابره مع شخصه , من شدّة البلاهة والسُذج في منطقه , وتجد أنه يمتلك مئات الألوف من المشاهدين وربما الملايين , مُتنحي ف ذلك مسالِك المُتعقلي والمتوقرين , ولا زال مجتمعنا العربي يشكو شُحاً في بروز بعض القيم في منابر المبدعين غيرَ مُتنبهاً بأنه هو السبب الرئيسي ف قلّة ظهورهم. 

فيتداولون بذلك أخبار بعض الشخصيات المعروفة في برامج التواصل والتي لم تُنتج لنا كمجتمع عربي على مشارف النهضة وطور الإزدهار , سوى الإنحلال الفكري والأخلاقي والرعونة والسُخف ونشر ما لا يليق بالمجتمعات العربية الراقية ويجعلون من مستحدثاتهم التي لا تُغني ولا تُسمن من جوع هي محاور أحاديثهم ف شتى المجالس , والكتّاب والرسّامي وذوي الفن والموهبة الذين يستحقون تلك الحفاوة استحقاقاً فعلياً لا يجدون منها سوى حبة خردلٍ مصحوبةٍ بعدم اعتبار. 

عزيزي أيها الفرد: إن مجرد إجلاء  إعجابك  بذلك المبدع وسكب الإطراء عليه ليس كافياً بحد ذاته , اعلم بأنك في مرات عديدة ستتساءل : ما شأني أنا كي أقدم  له المعونة ? ما علاقتي به كي أقدم  له المساعدة ? , ثم ستجد بذلك أن دعمك ف الواقع ما كان سوى دعم واهي لإثبات  صدقيته, ما هي سوى محض كلمات مُبتذلة تُرددها لُتشبع اعجابك الشديد بإنجازه وشخصه , رغم أن تلك الخدمة التي قد تُسديها مهما بدت صغيرة الحجم قد تكون أحد أول أسباب ازدهاره مُستقبلاً وتطّلع حياته المهنية. 

ستعتقد بأنك غير مُلزم بذلك , لكن دعني أُخبرك شيئاً , أنت مُلزم وأنا مُلزمه وفُلان مُلزم وجميعنا مُلزمون بذلك , كُلٌ منا يُساعد الآخر قدر الإمكان وإن لم تمتّ به معرفة مسبقة أو صلة قرابة , نحن نشكّل علاقة تكاملية ) تبادل منفعة ( لا أحد منّا مُستغنٍ عن الآخر , فنحن نعمل في بناء المجتمع ذاته وعمارة الأرض ذاتها وازدهار الوطن ذاته , نحن أبناء وطن واحد وتحملنا الأرضُ عينها ومن بعضنا , وفي بعضنا , وإلى بعضنا . فالإستئثار لا يُجدي نفعاً قط , لكلٍ منا على الآخر حقٌ وواجب فنحن ننتمي إلى الديار عينها وذلك كافٍ جداً , فنجاح فرد منّا يعني نجاح المجتمع , ونجاح المجتمع يشكلّه نجاح الأفراد . بل إنني دوماً ما يسودُني العتب تجاه الجهات والأشخاص الذين رفضوا مبدعات ومبدعي الوطن بأبشع الطُرق وأكثرها استبدادية , من المؤلم أن أكون كاتبة تمتلك أكثر من عشرة إصدارات  ف سنٍ يُشارف التاسعة عشر ربيعاً من العُمر ولا أجد جهة رسمية تحتضن موهبتي , وحصيلتي اللغوية الجمّة , وترعى قلمي السيّال, أو تُعيرني ذلك الإنتباه الذي استحقه , أفراد  المجتمع امثالي بوسعهم تقديم الكثير للوطن من الأرباح الفكرية والفوائد المُكتسبة , ولا زال الكثير يغفل عن ذلك ويمنح تلك الأضواء والسطوع لحفنة ممن لا يعودون عليه بطائلة.

على أمل أن يتغيّر الحال في المسُتقبل , أن يمنح المجتمع حقوق ذوي الموهبة , أن يُعيرهم الحفظ المُطلق على مواهبهم وفنونهم , وأن يرعى انجازاتهم رعاية خالِصة يبرز بها تميّز مجتمعاتنا العربية , ويُجلى به تفوقنا وبلوغنا مصاف الدول العظمى.

فلا نهضة لوطن دون نهضة ابناءه , ولا رُقيٌ ورفعة ينالها بلا مُبدعي. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: