مقالات

مقعد واحد وعِدَّة أشخاص

مرت أيام شعرت خلالها بأن الكِتابة متلبكة داخل عقلي، لم أقدر على فصل الكلمات أو ترتيب الجمل كي يتشكل المعنى الذي أرغب في كتابته؛ هذا مع دافعٍ قوي تشكل بفعل حدث جديد يريد أن يتفتح ويكون جزءًا من عملٍ إبداعي، حين فكرت لماذا لا يمكنني الكتابة على الرغم من حضور الموقف؟ تبادر لذهني تصور ما، وهو أني في حين ماكتبت عن حدث ما فأنا حتما أعيد تشكيله، إعادتي لترتيبه وتضخيم بعض محتوياته والتقليل من ظهور بعض أجزائه يجعله متغيرًا فهو حتمًا ليس ذلك الماثل كما هو على أرض الواقع بهيئته نفسها، وبالتأكيد لا أعني حين أقول هذا، أن هذا نوع من النفاق الكتابي أو المخيلة الخصبة التي يسبح في داخلها الكاتب متحررًا من الحدث الواقعي، لكن الذي أقصده أن التجربة الذاتية لا تستطيع أن تضع كل شيء في مكانه، بشكل دقيق، لأني حين أقف على ضوءِ التفكير الخاص بي، فأنا أحرك القصة من جانبي أنا، لا من جانب الطرف الذي حضر معي هذا الموقف، ولا من طرف الناس العابرين، ولو أردت حينها أن اشملهم بحديثي فأنا غالبًا سأتحدث من فهمي الشخصي لهم، لا من حقيقتهم هم حين كانوا معي في الموقف، لهذا عندما يكون الأشخاص الذي أقابلهم حقيقين وعلى أرض الواقع، يأتي إلي هذا الهاجس (هل هذه طبيعتهم)؟
ليست المسألة مسألة حكم شخصي بل هي محاولة فهم من خلال الجلوس في داخل الظروف ذاتها التي يجلس فيها طرف ما، لكن هل بإمكاني أن أتحدث من خلاله؟ من خلال مايفكر ويتأمل ويعيش؟ وبصورة أدق هل طبيعتهم التي أنظر اليها هي (هم) أم أنها (أنا) متخفية خلف وجه مافهمت أو ظننت؟
بما أني مهتمّة بالكتابة فأنا أؤمن أنه بإمكاننا من خلال بقائنا في داخل أحد الشخصيات، وتتبع أفكارها الصريحة والمضمرة، ولغتها الجسدية وإيماءاتها ومجازاتها ومجريات حياتها( وهذا بالغالب لا يحدث إلا في الشخصيات التي يؤلفها الكاتب) أن نوصل للقارئ صورة حية يستطيع أن يتفهمها كإنسان يشترك مع إنسان آخر في إنسانيته، فقد يكون من المنطقي أكثر أن لا نتوقع إجابات محددة عندما يتعلق الأمر بفهم الإنسان بشكل كامل.
في الواقع مرورنا بالموقف نفسه، لا يعني أننا نحمل شعور الشخص كما هو حين عاش الموقف، المواقف ترينا كيف نقدر مشاعر وأحاسيس الأشخاص الآخرين من خلال تعرضنا لتجربة حسية مشابهة، لكننا مع ذلك لا نستطيع أن ندرك هذه التجربة طريقة مماثلة، وهذا ماجعلني أتخلى عن فكرة (ضع نفسك في مكان الشخص الآخر وستشعر بشعوره) تتعدد التجارب الحسية المكثفة، لكننا ندركها بطريقة مختلفة، هكذا تبرز أهمية دراسة الإدراك، من خلال فهمنا العميق والدقيق لذواتنا، ولهذا كان من المفترض أن نبتعد عن الحكم على الأشياء من خلال تجاربنا الشخصية فحسب، فما يصلح لنا ونتأثر به تأثرًا حسنًا أو سيئًا لا يعني بالضرورة أنه سيتفاعل مع شخص آخر بالطريقة نفسها، حتى وإن كان هذا عبارة عن تجربة حسية موحدة، مثل تنشق رائحة ما، أو سماع نغمة معينة، أو النظر لصورة أو لون.
نستطيع أن نقول أن هذه المؤثرات الحسية التي تمر عبر ذاكرتنا الحسية في لحظة ما، قد تكون في يوم ما (رمزًا) يثير ردة فعل شخصية ليست موحدة على الجميع.
مثل الطفل الذي يبكي عند النظر للون الأحمر
والرجل الذي يشعر بالغثيان الشديد عند استخدام منديل برائحة الديتول على الرغم من أنه لم يكن يشعر هكذا في الماضي..
أو حتى ذلك الذي يشعر بخفقان شديد في القلب، عند رنين الهاتف بنغمة محددة..
هناك روابط خفية لا نستطيع دائمًا الإمساك بها، تكون عالقة في الذاكرة إلى درجة تفاعلنا معها بطريقة قوية تنعكس على أجسادنا وانفعالاتنا وبالتالي: يتكون لدينا سلوك لا يمكننا عند النظر إليه في المرة الأولى أن نقول متسرعين لماذا لم يحدث معي هذا وأنا مررت بالموقف نفسه؟
لا يمكنك أن تشرِّح النفس الإنسانية وتفصلها عن بعضها، إذا أتيت لترى أنظر للجزء وهو يتفاعل مع الكل، قد نتشارك في الأجزاء الصغيرة، لكننا نجد أن تأثيرها مختلف لأنها امتزجت مع جزء آخر وكوّنت طريقًا جديدًا واجه من خلاله المرء إدراكا جديدًا مختلف.
ملاحظة: كتبت هذه المقالة متأثرة بمحاضرات الأستاذ طارق القرني القيمة، وبالحوار مع الصديقة الرائعة والمهتمة بالفلسفة فرح الحربي.

الكاتبة: رغد محمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى