مقالات

فاطمة العامري تكتُب ” فتاة الريف”

 

قد تتغير المفاهيم للحياة وقد تتغير المفاهيم أيضاً حتى للأقدار.

عندما تزوجت رجلاً مدني قالو لها أن فرصة العيش في المدينة حلم ولن تتكرر هذه الفرصة مرة أخرى.

وكيف لا وهي فتاة ريفية قروية تسكن إحدى قرى أقصى الجنوب الغربي،

لاتعرف في حياتها الريفية البسيطة سوى مدرستها الواقعة على ضفة وادٍ فسيح ، وبيت أهلها وجيرانها الذين هم أيضاً بمثابة الأهل.

لاتعرف هذه الريفية القهوة المستوردة ولاتعرف كيفية تحضيرها ، ولاتعرف كيف تأكل بشوكة وسكين في طبق من فضة أو لنقل من زجاج فاخر،

لاتعرف كيف ترقص على أصوات الموسيقى ولاتميز بينها …

موسيقاها هي صوت ثغاء أغنامها عند المغيب وصوت هدير السيل القادم من أعالي السراة ،

ترقص على حفيف أوراق وغصينات شجر الأثل.

تصنع قهوتها من حبات البن التي تقطفها من شجيراتها،

عندما تريد أن تنتشي تتوجه للوادي الفسيح تشم رائحة الطين والزرع.

وهذا الزواج هو فسحة الأمل التي ستنقلها لعالم آخر عالم تتوق لزيارته.

ولابد لها من اغتنام هذه الفرصة.

وبعد أيام تم الزواج و انتقلت للمدينة ، للشوارع الفسيحة المزركشة بألوانها الجميلة وللمباني الفارهة وللمطاعم الفخمة .

انتقلت تلك الريفية بكل بساطة إلى ماتتمناه.

استقرت في بيت جدرانه لا تشبه ابداً جدران منزل أهلها.. زواياه تختلف، وسقفة مختلف أيضا… لاتسمع منه أصوات العصافير المارة من فوقة.

هذا المنزل كبير جداً وموحش… لا بوادر فيه للحياة.

ولكنها أحبته ،وقررت أن تعيش فيه وأن تجرب حياة المدينة الكبيرة.

ومرت الأيام والشهور بخطى ثقيلة ومختلفة جداً ومرهقة…

كل شيء هنا كئيب وممل وصامت،

الناس هنا لايتكلمون كثيراً ولايضحكون ..يقتصرون فقط على ابتسامة شاحبة لاتكاد تتجاوز شفاههم،

يجيدون أشياء كثيرة هي لاتهتم بها ولا تريد أن تجيدها.

وبدأ الملل والخوف من المجهول القادم يتسلل بداخلها.

كانت لديها عزيمة قوية على إكمال العيش في المدينة ولكن هناك أشياء تقف عندها ولاتستطع أن تتجاوزها فهي تختلف. تختلف اختلافا كلياً وجذرياً عن سكان المدينة .

كيف لها أن تتبدل في تفكيرها وطريقة حديثها وحتى هندامها ببساطة كيف لها أن تجرؤ وأن تتغير وأن تنسى من تكون،كيف لها ذلك ؟!

وتكونت عواصف بداخلها مابين أكون أو لا أكون…

مابين الجذور الراسخة لمفاهيم اعتادت عليها لاتستطع أن تغيرها ومابين أريد أن أتغير بطريقتي.. أريد أن أثبت من أنا وكيف هي أنا

صراع عنيف جداً جداً يدمي قلبها الصغير وتحد مابين الحاضر والماضي تخوضه بكل قوة وشراسة.

ومابين شدة العواصف التي تحيط بها وصراعها مع ذاتها .. عزمت و قررت أن تبدل ماتستطيع أن تبدله بحكمة.

وأن تبقي على جذورها كما هي ثابتة لاتتغير مهما اشتدت العواصف وأن تتبدل بمواكبة الأشياء الجميلة في المدينة التي يعيها عقلها ولا تختلف مع مبادئها.

ومرت السنوات ولازالت الريفية صامدة ثابتة كثبات أشجار السمر القوية ولكن….. مازالت تحن لقريتها ولسيل الوادي ولرائحة قهوة الصباح على جمر الحطب….

بقلم / فاطمة العامري .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى