مقالات

“طلال مجرشي” يَكتُب.. ( العلماء والابتلاء وجهان لعملة واحدة )

بقلم – طلال مجرشي

منذ أن أشرق نور الإسلام وصدح صوت الحق على البشرية، والعلماء الربانيين هم أيقونة المجتمعات وملاذ المذنبين ومقصد السائلين و العارفين بالله، ولم تعرف الجموع المسلمة في كل حين وفي كل زمان شريحة تستند عليها وتلجأ إليها بعد الله كالعلماء والأمراء عند المحن واشتداد البلاء والفتن , فهم مصابيح الدجى وأنوار الصلاح والفلاح الذين يضيئون قناديل الضلام للحائرين والخائفين والمستجيرين بالله.

ولطالما كان هؤلاء النجوم المتلألأة في امتحان كبير وابتلاء عظيم بين القول بمراد الله وحكمته وبين مراد أهل الأهواء عامةً والمتجبرين من الولاة والسلاطين خاصة، لذلك جمع كبير من العلماء الذين خُلّدت أسمائهم في صفحات التاريخ قد ذاقوا ويلات السجون والحرمان والقتل إما بسبب فتاواهم ومواقفهم وإما بسبب عدم انصياعهم لأهواء خلفاء زمانهم.

فهذا الإمام “أبو حنيفه” يدخل السجن في عهد الخليفة العباسي “أبوجعفر المنصور” بسبب إشاعة راجت بين العوام بأنه مؤيد لثورة “محمد النفس الزكية” على “المنصور” وكل ذلك من أجل رفضه تولي القضاء بعد أن عُرض عليه مما جعل وزراء الخليفة يكيدوا له تلك المكيده , وذاك الإمام “مالك” يُسجن ويُجلد في عهد “المنصور” بسبب روايته لحديث اعتقد الخليفة أن فيه نقضاً لبيعته , وهذا الإمام “الشافعي” يُسجن وكاد يُقتل بسبب ما أشيع عنه أنه رفض مبايعة “هارون الرشيد” لولا شهادة أحد جلساء الخليفه له بالعلم والفضل فنجى بفضل الله , وذاك “أحمد بن حنبل” يُسجن ويُعذب ويُقتحم داره ويُفتش نساءه في فتنة خلق القرآن الشهيرة في عهد “المأمون” والواثق حتى جاء “المتوكل” فأُفرج عنه ووُضِع تحت الإقامة الجبرية ولم يتزحزح عن موقفه , وهذا “ابن تيمية” يسجن ست مرات وتلميذه “ابن قيم الجوزيه” يسجن مرتين بسبب فتاواهم ومواقفهم الثابته وعدم التنازل عن مبادئهم الإيمانية حتى لو كلفهم ذلك حياتهم .

فلا يكاد يخلو عصر من العصور من ابتلاء حقيقي للعلماء الذين اصطفاهم الله لعلمه , فهم لا تستقيم لهم الدنيا بإعوجاجها وشهواتها وأهواء أهلها الذين تتعارض أطماعهم وملذاتهم مع الدين الحنيف , وهذه من المحن العظيمة التي أُبتلي بها من اختارهم الله لحمل دينه ورسالته فكانوا من اجل ذلك عرضة لتسلط بعض الخلفاء و الولاة  المخالفين لمنهج الإسلام .

ولا شك أن الأزمنة المتأخرة أشد فتنةً مما سبقها وأشد خطراً وابتلاءً على هذه الشريحة الأساسية للمجتمعات المسلمة وسوف تكون جهودهم أضعاف جهود من قبلهم خاصة في هذه الحقبة التي نعيشها والتي أصبحت المغريات والشهوات أمامنا ولا نستطيع الصمود أمامها أو كبح جماح شبابنا من التوغل فيها بسبب الإنفجار التقني والمعلوماتي الذي نعيشه واختلاط الثقافات وضعف دور المسلمين وإستباحة أراضيهم ومقدراتهم , كل ذلك أسهم في استثقال الحمل على كاهلهم واتساعه مالم يعتصموا بحبل الله المتين والتوكل عليه والاستعانة به والقيام بدورهم في إيصال الحق والاقتراب من الناس ومراعاة أحوالهم .

فنسأل الله أن يصلح أحوالنا ويشد على أيدي علمائنا ويعينهم على إتباع الحق وإيصاله لكل جاهل وغافل وأن يهدي بهم العباد ويحفظ أمننا وبلادنا من كل سوء .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى