مساحة حرةمقالات

طفلٌ جيد

قالت لي أمي حين كنت صغيرة: العبي مع فتى الجيران، هو في عمرك، أنظري إليه يحدق فيك منذ أتينا، تقولها وهي تدفعني وتهمس في أذن المرأة الكبيرة الجالسة على الكرسي، بينما تقرضُ الأخرى حَب دوار الشمس وتشرب (بيالة شاي) وكما تقول ماما (سوالف حريم) وتدفع بي ليدخل انتباهي في حيزٍ آخر، كي ألهو عنها، وعلى إثر هذا أتى ابن الجيران وقال مشدودًا لنلعب،

لكني قلت وأنا أمسك بالثنايا السفلية من فستاني المطبّع بالفراولة، لا ألعب مع الصبيان.

وجسدي يتذكر اللعبة الأخيرة التي دفعني فيها ابن خالتي لبركة الوحل، ورمى بكُرة الطين على شعري وحين أبعدتها عني، شعرتُ بشيء ما يمشي على جانب وجهي فإذا بها حشرةٌ سوداء، وكبيرة تضع قرني استشعارها على خدي، نهضت وركضت في الساحة الخلفية فوق الأرضية الحجرية والمصفوفة، فوقعت على ركبتي فوق حجارة خشنة، وسال دمٌ كثير، وسال معه دمعي وانطلقت صرخةٌ لا أتذكر متى توقفت، لأني بعد ذلك وجدتني قد نمت في حضن خالتي وأنا أرتدي ملابس نظيفة ،ورائحة شامبو الأطفال تدغدغ أنفي،
مع شريط ابيض وطويل يغطي نافذة الألم على ركبتي،

لكنه قال مقاطعًا الذكرى السيئة: سأريك شيئًا مثيرا،

فسحبني من يدي وسرنا مستعجلين، كان يتقدمني خطوتين، مرّ أثناء ذلك على غرفة الصبيان، وحين قطعنا صالة الضيوف، ومررنا من أمامها شعرتُ بلحظة التقاء العيون في العيون، مع شيء من حرارة الخجل.

دخلنا داخل المنزل أكثر، متجهين إلى المطبخ، ثم مررنا بقرب صناديق خشبية كبيرة، وتوقفنا في المخزن الذي كان مظلمًا، حتى فتح البراد وأنار المخزن إنارة برتقالية، فأخرج عصير (الغوار) وبعد أن مسح الكثافة البيضاء والباردة من على العبوة، بكمه الطويل قال خجلًا: خبأتها لي كي أتناولها كمثلجات في المساء دون أن تعلم أمي، لكني سأعطيك إياها ،ثمَّ مد يده الصغيرة ونظر ليمينه، وكأن المَلَك الذي أخبرتني عنه ماما يكتب في الدفتر الآن (طفلٌ جيد) فضحكتُ وقلت أنا ايضًا أُحس به ،نظرتُ ليميني وقسمتُ الغوار إلى نصفين (نصفٌ) له ونصف لي ، بل (كلٌ) اكتمل في داخلي ساعة السادسة.

الكاتبة – رغد محمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى