مقالات

صقلٌ متعمَّد

في مدرستي الابتدائية كانت الصفوف الأولية تصطفُ في جهة اليمين وفي الجهة المقابلة تقف الصفوف المتقدمة بدايةً من الصف الرابع في جهة اليسار.
كنا إذا انتهت الإذاعة الصباحية نتمنى لو كنا آخر صف يغادر الساحة الكبيرة، حينها تحديدًا يبدأ الصف الأول بالحركة ثم الثاني ويليه الثالث .
كانت أمنيتي الصغيرة أن أكون في الجهة المقابلة مع الكِبار، وحين تحقق هذا وأصبحتُ في الصف الرابع الابتدائي قالت لنا المعلمة: والآن أصبحتن من الكِبار؛ لذا ستكون الكِتابة منذ اليوم بقلم الحبر الأزرق عوضًا عن الرصاص؛ دار في خلدي هل أكتمل تناقص قلم الرصاص أخيرًا حتى أختفى، وسيأتي بدوره قلم الحبر الماكر؟! فهو وإن انتهى الحبر من جوفه يحافظ على مظهره الأول، لذا لا تستطيع بالعين المجردة التقاط علامات نفاذه الداخِلي فتهيأتُ دون أن أدري بالمظهر الهادئ وعدم الشكوى- لأني من الكِبار كنت أظنها الفكرة السعيدة التي ستستمر معي بِقدر ما تشوقت لها.
والآن أتساءل :هل توقعت منا المعلمة نحن البنات الصغيرات أن نقبل أخطاءنا التي سيصعب علينا محوها؟
هل توقعت أننا سنتحمل أثر فقدان الصفحات المشوهة بالشطب والقمع لتلك الحروف الناشزة التي حلقت فوق قواعد اللغة، تلك التي لا نستطيع إصلاحها ولا التراجع عنها باستخدام الممحاة؟ هل توقعت أننا سنتعلم التمهل في الكِتابة ونحن لازلنا نتسابق في الفناء الخلفي من المدرسة كل استراحة غداء؟ لنكتشف من منا الأسرع؟ هل ظنّت أننا سنكون بارعاتٍ في قتل وإخفاء أخطائنا بالطمسِ والتشطيب؟
وكأن روح القلم المُتناقص حد الاختفاء، قد تشكلت في هيئة دفتر، ذلك الدفتر الذي لم نتهاون في تمزيقه، في محاولة لمحو ذاكرة الأخطاء عبر خلع الورق من مكانه.
يتضاءل وزنُ الدفتر، فبعد أن كان كبير الحجم كثيف الورق، صار قليلًا صغيرًا يشتاقُ للحظة الاكتمال الأولى (دهشةُ الطفولة)

 

بقلم / رغد محمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى