القصص

سلسلة من أحاديث الصمت

عثمان: على النقيضِ تمامًا، أبدو كَمن يقفُ على منحدر العُمر, أَقلقُ على هَجر أبنائي لي.

كان عُثمان يدور في حلقةٍ صغيرة، لا يكاد ينهي بدايتها حتى يصل الى النهاية, حلقة متواصلة تجمعُ النهاية مع البداية, فَيصعُب التمييز بينهما, الطُفولة, والكهولة، و الشيخوخة تبدو كخيطٍ واحد مترابط, و لكنها أشبه ُ بحلقةٍ حلزونية للتزحلق, تتزلج على برودتها تارة, وتهربُ من تأجج نارها تارة .. و في أول إشارة خرجت مني تعبيرًا عن رغبتي في الإنصات إليه، بدأ كل هذا.

عثمان: عِندما كُنت شابًا .. كُنت أقول لنفسي مِرارًا (إنه وقت العمل يا عثمان) (ليس هناكَ وقتٌ يكفي لتحزن ) (لا تفكر بما يُقلقك) (تجاهل عصبية زوجتك) (لا تلقي بالاً لأخطاء صغارك إنهم صغار) (زر والديك على الأقل يومًا في الشهر) (أطفالك بحاجة للمال فقط).
في الأيام التي تبدو قاتلة وروتينية للغاية, لم أكن أعرف كيف كان وقتُ القيادة بسيارتي يمر، بالرغم من ثِقل الزحام, و حرارةِ الشمس الصفراء الشاحبة, مع الوقت أصبَحتْ ساعاتُ القيادة الطويلة قبل العمل وبعده تبدو وكأنها اندمجت معًا, كقُصاصة فيلم أُلصقت في قُصاصةٍ مُملة تشبهها  لتمضي على وتيرةٍ واحدة وبسرعةٍ غريبة، و قبل أن أُدرك بأن فمي أَطلق كلمةَ أُف في وسطِ فراغِ الهواء, كُنت أجدني أمام باب منزلي!

-حسنًا عندما شاهدتُ ابنتي ترتدي تنورة قصيرة لأول مرة أثناء وقت (مراهقتها) بينما كانت زوجتي متشنجة من الغضب قبل أن تخرج ابنتي إلى الشارع مع صديقاتها، كُنت أقول في داخلي (نعم إنه الوقت الذي تفعل فيه جميع الفتيات هذا، لن أقلق) و عندما رأيتُ ابني و هو بعمر الثالثةَ عشر يدخن أول سيجارة له، أصبحت ُ أُفتش في ذاكرتي عن موقفٍ مشابه خضته أنا, حتى نسيتُ بأني تركته يُكمل تدخين سيجارته.
و عندما كنت طفلاً كُنت أراهن بأن السماء الزرقاء يومًا ما ستغدو بنفسجية, كلون قميصي الصغير الذي أهديته لحُسام ابن عامل النظافة، صديقي الذي تخليتُ عنه, لأن والدي كان يحبسني في سلةِ القمامة إذا صاحبته.
أُحب اللون البنفسجي، لكنه يُخيفني أحيانًا، لأنني إذا تخليتُ عنه سيتخلى عني شيءٌ جيدٌ لا أستطيع العيش بدونه، أو سيصيبني شيءٌ كالندوب، قد تبدو فكرة طفولية, ولكنني أخاف اللون البنفسجي ومع الوقت أصبحت أكره اقتناء الأشياء البنفسجية.

– بماذا يذكرك اللون البنفسجي أيضًا؟
– يذكرني بنفسي, عندما كنت أجلس في غرفتي متظاهرًا بالانشغال وأنا فارغٌ جِدًا حتى أني لم أعد أستطيع الانشغال بالنوم, و مع ذلك لم يكن النوم مهربًا جيدًا بالنسبةِ لي، فالليل الذي يتحركُ على طريقٍ مُدمَّى يدعوه الآخرين (بالأحلام) بينما أدعوه أنا (بالكوابيس) يجعلني أستسيغ كآبة اللون الأصفر في الظهيرة، لا زلتُ أتذكر جارتنا (أُم سميرة) وسميرة التي تضعُ الخبز الجاف في فمها كُله, ووالدها الذي يحطم باب منزلها مرارًا وهو مخمور, حين يصرخ بكلماته البذيئة و يُخيف الجيرانَ و قِطي و سميرة، كُنت اتسلق الجدار؛ لأُطل من على السور لأرى سميرة تجلس في السطح, حينها بدت عيناها كدوامة حَلزونية سوداء بلا أحداق, عيناها تسحبني لعالم الأحلام الأسود, حيثُ الحقيبة للأطفال وليس للملابس, حيثُ البساتينُ للمجازر و ليس للفزَّعات, حيث التلالُ تبدو جِبالاً و منحدراتٍ انتحارية، تبدو الحياةُ آن ذاك كعيني سميرة لا تَكف عن الدوران المشوه, تتكرر الأشياء ولا شيءَ يُقاطع تكرارها.

– كان مُرهقًا للغاية أمر سميرة ومخاوفك  التي لم تعبر عنها, إذًا أكنتما  أصدقاء، أقصد أنت وسميرة؟

أتساءل عن آخر يومٍ سمعتُ فيه هذه الكلمة المثالية التي يتباهى الجميع بها, ما الذي يعنيه الأصدقاء؟ هل هم جماعة الضحك؟ أم أولئك الذين يظهرون بأردية البُطولة في القصص الخيالية؟ لطالما شعرتُ بأنهم (مهرجين) وكاذبين، وهميون خُلقوا لإسعاد قلوب الأطفال الساذجة, لم أعرف صديقًا قط.

– الأصدقاء من يُشاركونك اهتماماتك, أليس لديك أحد منهم؟
– أي نوعٍ من الاهتمامات تقصد؟ أتقصد تربية القطط؟ الكتابة على الجُدران؟ النوم على الشرفة؟ أم الشجاعة التي جعلت سميرة تقفز من على السطح؟

– حسناً ألم يكن لديك أشياء تحب أن تفعلها مع أي شخص حتى في وقت الطفولة؟

ليس هناك ما أتذكره بالتحديد عدا معرفتي لحُسام الذي تقبل لون بشرتي السمراء، و سميرة التي كانت تحدقُ إلي من سطح منزلها مِرارًا.
عندما كُنت طِفلا كانت جُل أحلامي أن أمتلك قناديل بحر مضيئة, أو أن أعيش في حديقةٍ مملوءة باليراعات مع شخصياتي الكرتونية المفضلة, تمنيتُ أن يضيء شريط الظلام الذي أعيش فيه ولو قليلاً, حتى أنسى خوفي من الظلمة التي قتلت سميرة، كان سهلاً جدًا أن أصدق أنه بإمكان الأشياء الجميلة أن تتحول إلى وحوش, لم أعتقد يومًا ما أن وحشًا قد يغدو فراشة, بقدر ما كنت أؤمن بأن الفراشة قد تغدو متوحشة!

– أرى بأن حادثة سميرة لا تزال تؤرقك للغاية, هل أنت على اتصال بأهلها للآن؟
– لستُ كذلك ولكني أشعر بأني أتصل بها بشكل ما, منذ حدث ما حدث أصبحت ُ أحلم بها و بهذا الحادث, فحين رأيتها تقفز إلى الموت شَعرتُ بأن الحياة ليست عادلة إطلاقًا.
– حدثني أكثر عن ذلك وكيف رأيتها؟
– وقتها كانت الشمس قد بدأت بالغروب و قبل أن تغيب تمامًا, سمعتُ صوت صراخ أُم سميرة في وسط الفوضى التي يحدثها زوجها في العادة, فركضتُ إلى السطح لأنها ستكون فرصتي التي أُراقب فيها سميرة كعادتي, ولكن سميرة هذه المرة صعدت سور السطح, كانت تمشي فوق الجدار المتصدع, تتمايل باحثةً عن اتزانها, ما كان بيدي سوى أن صرختُ في وجهها (انزلي ستسقطين!) حدقت في وجهي و هي مرتعبة, ثُم قفزت للأسفـل و….
(وكأن نبع ماء انفجر في هيئة بكاء)
– لقد كان الأمر صعبًا عليك بالإضافة لكونك لا تزال طِفلاً, و لكن هل أنت متأكد بأنها قفزت؟

– لقد رأيتها تسقط أمامي!

– طبيعة الأطفال أنهم صريحون بالأشياء التي يفعلونها, لقد حاولت استعادة اتزانها قبل أن تموت, الا يجعلك هذا تتوقف لتسأل نفسك، إن موتها كان حادثًا و لم يكن انتحارًا؟

– ما الذي تقصده؟ لقد عُنفت سميرة مثلي تمامًا و أكثر, بالطبع سيكون الموت فكرتها للهرب.

– أليستْ فكرتكَ أنت؟ لقد حاولت الهرب بالانتحار مرارًا لكن محاولاتك باءت بالفشل, لقد كان موت سميرة حادثًا.

– يهز قدمه اليمنى بقوة.
-صمت-

– لقد كان حادثًا مؤسفًا للغاية, لكن عليك أن تواجه الحقيقة من مكان الحَدث أولاً.
أكمل حديثك عثمان .. لا تصمت ..

بعد دقائق..
– في الحقيقة لقد كُنا أصدقاء أنا و سميرة, حتى اتى ذلك اليوم المشؤوم، صعدتُ أولاً على سور منزلنا, كنتُ أحدقُ في الأرض الصغيرة التي زرعتها جارتنا لزهور عباد الشمس, و أمشي على السور, كانت الساعة الخامسة والنصف هي موعد مقابلتنا الاعتيادية, رأتني سميرة  فحاولت تقليدي, فصعدَت هي الأخرى, و لكنها فقدت توازنها و سقطت..
-كان بسببي!!

– الحديث عن مشاعرك للآخرين, قد تراه ضئيلاً وغير مفيد, ولكنه مفيد إذا اخترت الشخص الصحيح, تستطيع عبره الرؤية بوضوح أكثر, هناك الكثير من الأمور التي نغفل عنها عندما نكون داخل الموقف, ولكن يختلف ذلك مع الجماعة المُحايدة فهي تساعدنا في رؤيتها من زاوية أخرى.

– عن أي زاوية تتحدث و أنا سبب سقوطها, لم أمتلك الشجاعة للقفز حتى.

– لقد كُنتما في درجةِ الخطر ذاتها, لم يكن خيارك أن تسقط هي من على السور، الموتُ يختارنا و ليس لدينا الأحقية في اختياره تذكر هذا جيداً!

– أتعلم متى نتوقف فِعلاً عن كل شيء؟

– عندما نموت!

– ليس هذا فحسب, هناكَ شيء آخر يجعلنا نتوقف.

– و ما هو؟!

– عندما نعتقد بأننا انتهينا, وبأن حياتنا توقفت فعلاً.

– تحديق-
– لو عاد الزمن؟ ماذا كنت ستفعل؟

– وهل سيعود…!

– تخيل أنه عاد وقل ما تريد..
أجلس على الكرسي الآن و تخيل أي شخصٍ يجلس على الكرسي الذي أمامك أو تحدث عن أي أمر تريد فعله أو ندمت عليه, أخبرهم بما تشاء أو أخبر نفسك بما تريد بصوتٍ عالٍ.

– وهل تظنني مجنونًا لأفعل؟ لم أفقد عقلي بعد.

– إن فعلت هذا فستجد أن الشيء الذي فقدته ليس عقلك, بل الرباط الذي يحكم الإغلاق على الأشياء التي أردت أن تقولها ولم تستطيع أن تقولها, جرب ذلك.

(وبعد تحديقٍ طويل دام لدقائق)

– أظن بأني سأتصل بأبنائي الذين هجروني…
– وماذا بعد؟
– سأوبخهم على أخطائهم.
– وأيضاً؟
– سأخبرهم بأن يعيشوا الحياة بمصداقية أكثر.. أن يقولوا لا متى ما شعروا بذلك, وأن يقولوا نعم بلا خوف للأشياء التي يحبونها, وأن لا يكبتوا مخاوفهم أبدًا, سأخبرهم بأن يسامحوني لأني لم اكن أبًا جيدًا كفاية في الأوقات الماضية، سأكون صارمًا مع زوجتي أحيانًا, لن تخرج حتى ساعةٍ متأخرة .. ولن تعود و هي تبكي للمنزل, لن تصرف المال قبل نهاية الشهر, و لن تضرب باب غرفتي بالحذاء في وقت نومي لأنها غاضبة, لن أستمر بالعمل حتى الإجهاد, سأقتطع وقتاً للعطلات الصيفية, سأتناول الآيسكريم البارد مع أطفالي, لن أخاف من المرض الذي سيجعلني أتغيب عن العمل، سأذهب إلى الشاطئ, و سألعب الحِجلى مع أطفال الملجأ اليتامى و الوحيدين, لن أغلق الباب على نفسي في عطلة نهاية الأسبوع, لن أغرس رأسي في الكتب و الجرائد هربًا من عيون أطفالي, لن أُطيل النظر في ساعتي عندما أكون في منزل أبويّ زوجتي, لن أذهب إلى مدير العمل لأطلب منه أن يعطيني عملاً إضافيًا, لن أكون أنا كما أنا في الماضي, لن أهرب.

– (يصفق) هذه نهاية المسرحية التي بدأناها أنا و أنت والآن أخبرني عن شعورك؟

– أشعر بالغرابة بعض الشيء, لكنه ليس شعورًا سيئَا.

– ستشعر بأنك أفضل أيضًا، عندما تستشعر حقيقة أنك لا تزال في مقتبل العمر.

– ينظر في المرآة بتمعن (لا زلتُ شاباً بعد) .. كيف ذلك لقد شعرت بالفعل وأنا أتحدث بأنني في أواخر عمري!

– بما أنك كنت تشعر بأنك تعيش على وتيرة واحده منذ الطفولة حتى شبابك و شَعرتَ بأنك ستُكمل المراحل العمرية الأخرى من حياتك بنفس الطريقة اقترحتُ عليك أن تتحدث و كأنك تخطيت المراحل العمرية كلها, فتحدثتَ عن هجر أبنائك الذي تتوقعه, و عن مشاكلك الزوجية المُحتملة, وعن الأوقات التي عشت فيها هاربًا من الأشياء التي تحدث أمامك, وعن أحداثك التي لم تستطع الحديث عنها في وقت الطفولة, صححنا بعض أنماط التفكير الخاطئة التي كانت عالقة في ذهنك منذ الطفولة, وبهذا أنهينا الخطة المتوقعة في هذا اليوم, آمل ان أراك بصحةٍ جيدة في المرة القادمة التي تأتي فيها إلي.

(بعد شهرين)
– بدأت تُزهر أزهار عباد الشمس التي زرعتها مع أطفالي في الحديقة الأمامية الخاصة بمنزلي, كانت الشمس تضربها من كل الجهات, تبدو جميلة للغاية أعناقها الطويلة توحي  بأن رأسها سَيلامسُ السماء، زرقاءً كانت أم بنفسجية, علمتُ أطفالي طريقة العنايةِ بها, و أخبرتهم عن قصتي مع سميرة, ربَّتوا على رؤوس الأزهار كما لو كانوا يربتون على رأس سميرة الصغيرة, ففي لغةِ الأزهار زهرةُ عباد الشمس تعني (أَنتِ مذهلة) و أنتِ كذلك يا سميرة.

المعالج: لقد شَعرت أثناء جلوسي مع عثمان بأني وخزتُ جسده الضخم بإبرة صغيرة, وبأنه كان يتسرب إلي من هذه الفتحة ببطء شديد كنتُ أنتظر الوقت الذي يفصح فيه عن الأشياء التي لم يكن يخرجها أبدًا للعالم تنفيسًا عن شعوره.

 

بقلم : رغد محمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. قمة الإبداع والتألق من قلم كاتبة رائعة في سرد القصة بسلاسة احسنتِ أخت رغد على هذا الطرح الأكثر من رائع وأتمنى لك المزيد من التقدم 👍🏽💕👌🏽

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى