مساحة حرة

زُهد رجل

بقلم :د. محمد جمعة الحلبوسي

عمر بن عبدالعزيز كانت نقطةُ التحول في حياته يوم أن فُتِحَتْ زخارف الدنيا كلُّها بين يديه، يأخذ ما يشاء ولا يحاسبه أحدٌ إلا الله، هذهاللحظة التي تضعُف فيها النفوس كانت نقطة الاستفاقة في حياة عمر، فخاف أعظم ما يكون الخوف، وعدل أحسن ما يكون العدل، لقد خافعمر ولم يكن خوفه إلا من الله، فلم يكن بينه وبين الله أحدٌ من الخَلْق يخشاه.

لذلك عندما وصل نبأُ موتِ الخليفةعمر بن عبدالعزيزرضي الله عنهإلى إمبراطور الروم الذي كان خَصمًا عنيدًا لدولة الإسلام، بكى بكاءًشديدًا أذهل حاشيته، فسألوه عن ذلك، فأجابهم بكلمات تُعتبر من أصدق وأجمع ما قِيل في تأبين الخليفة أمير المؤمنينرضي الله عنهحيث قال: ماتَ والله رجلٌ عادلٌ، ليس لعدله مثيلٌ، وليس ينبغي أنْ يَعجبَ الناس لراهبٍ ترك الدنيا؛ ليعبدَ الله في صومعته، إنما العجبُ لهذاالذي أتته الدنيا حتى أناختْ عند قدمه، فأعرض عنها.

سوف نتطرق في هذا الصدد إلى عدة مواقف من حياة عمر بن عبدالعزيز:

الموقف الاول بينه وبين زوجته فاطمة بنت عبدالملك

عندما تولَّىعمرالخلافة نَظَرَ في بيت مال المسلمين، ثم نظر إلى ما في يده، ثم نظر إلى ما في يد أمراء بني أُميَّة، فماذا فعل يا تُرى؟

بدأ بنفسه، فدعا زوجه فاطمة ابنةَ الخليفة عبدالملك بن مروان، وزوجةَ الخليفة عمر بن عبد العزيز، وأختَ الخلفاء الأربعة: الوليد، وسليمان،ويَزِيد، وهشام، هم خلفاء بحكم الوراثة، فسألها عمر سؤالاً، قال لها: اختاري يا فاطمة، قالت: أيَّ شيءٍ اختار يا أمير المؤمنين؟

قال لها: إما أن تختاري الذهب والجواهر والزُّمُرُّد ومتاع الدنيا، وإما أن تختاري عمر بن عبدالعزيز، نَعَمْ، خَيَّرَها عمر بين نفسه وبين ما تملكمن زينة زُفَّتْ بها؛ لأنها بنت الخليفة.

 فماذا قالت فاطمة؟ هذه السيدة المسلمة التي تربَّت في مدارس الإسلام، ونهلت من مناهل القرآن، قالت بلسان اليقين، ومنطق الحق المبين:والله لا أختار عليك أحدًا يا أمير المؤمنين، هذا ذهبي، وتلك ثياب زفافي المرصَّعة بالماس والزُّمُرُّد، ثم قالت: إلى أين تريد الذهاب بها يا عمر؟قال: سأذهب بها إلى بيت مال المسلمين؛ لتكون للفقراء والمساكين!

وعندما مات عمر، وتولَّى الخلافة بعدهيزيد بن عبدالملكأخو فاطمة، فقال لها: يا فاطمة، أنا أعلم أنَّ عمر أخَذَ مالك كلَّه، ووضعه في بيتالمال، أتأذنين أنْ أعيدَه إليك؟ فقالت له بلسان الحقِّ: ماذا تقول يا يَزِيد؟! أتريد أن آخذَ شيئًا وضعه عمر في بيت مال المسلمين؟! فو الله الذيلا إله إلا هو، لن أعطيه حيًّا وأغضبه ميِّتًا أبدًا، وما غادرتْ بيتها قط بعد عمر، حتى وافتها المنيَّةرضي الله عنها.

الموقف الثاني:

واسمعوا إلى هذا الموقف العظيم:

يقتحم ذات يوم رجلٌ من عامة الناس مجلسَ أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز، ويتهجَّم على أمير المؤمنين بكلمات تثير غيظ الحليم، فماذاتظنون من عمر أن يفعل؟

 والله تحدِّيان رهيبان مخيفان يَعصفان به في وقتٍ واحدٍ؛ التحدي الأوَّل: هو اعتداء من رجل عادي على خليفة، وعلى أمرٍ باطلٍ وليس علىحقٍّ، والثاني: مقاومة إغراء الشيطان بالانتقام الآني من أَجْل هيبة الخلافة على أقل تقدير.

 ولكن لابن عبدالعزيز في هذا الموقف وقفةٌ شامخة؛ لينبِّه المسلمين من خلالها إلى خُلُق الحِلْم، ويذكِّرهم بقولهتعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَوَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 134].

 قال عمر لهذا الرجل: لعلَّك أردتَ أن يستفزني الشيطان بعزَّة السلطان، فأنال منك اليوم ما تتقاضاه منِّي غدًا عند الله، ولكن قُمْ، عفا الله عنك!

قال مالك بن ديناررحمه الله: لما وَلِيَ عمر، قالت رُعاة الشاة في ذروة الجبال: من هذا الخليفة الصالح الذي قد قام على الناس؟ فقيل لهم:وما علمكم بذلك؟ قالوا: إنا إذا قام على الناس خليفة صالح، كَفَّت الذئاب والأُسْد عن شِيَاتِنا.

-بـ تصرف-

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى