مساحة حرة

دموع على سبحات السنين.

بقلم الدكتور:يحيى  حسين السيد .

ابتسمت لها الأيام وانبلج لها الحظ كانبثاق شعاع الصباح ، راحت تتجول في أرجاء قريتها ، كقطرة ماء تعتلي مجرى النهر ، زادت فرحتها بمنصب زوجها ، إن امتلأ بيتها بصبية صغار كأنهم أقمار ، يتراقصون من حولها ، منظمون كحبات لؤلؤ على نحر فتاة جميلة ، تطاولت على الأيام وكلها حمد وثناء لله ، العيش رغيد .. الفراش وثير .. المسكن فاخر .. الظلال وارفة .. تسري روح السرور في كيانها وهي ترى بعلها قادما من مقر عمله حاملا بيده ما لذ وطاب .. فاكهة لذيذة .. أو هدية جميلة ، أو حلوى ثمينة .. يتراكضون عليها صبيتها .. مسكينة تلك المرأة تصول وتجول ملتحفة ثوب السعادة .. ممتطية جواد الفرح .. وقد كانت لا تعلم أن الأيام تحيك لها عباءة الأحزان .. ولا تدري أن السنين تصنع لها شرابا اسمه مر الحياة .
مرت السنون القلائل .. فإذا بزوجها يرقى سلالم النجاح واحدة تلو الأخرى ويمنح شهادات التقدير متتالية وتنصب له الأوسمة كوابل المطر المدرار .. وتربع على قمة المجد في وضح النهار هنا ظهر كيد الحاضرين .. وكشر عن الأنياب الحاسدون .. دبروا المكائد .. وأتقنوا شباك المصائد .. حاكوا له المزالق حتى أودع السجن ومات فيه .
قهقه المتآمرون وتعالت صيحات الخائنين .. هنا دعونا نذهب إلى حيث بيت فاطمة حيث نسمع من على بعد صرخات الصبية المساكين .. وانين الأم الرؤوم وندب الزوجة الحنون . في ظل قوة حجة الحساد .. بكى الأبناء على أبيهم حامي حماهم وبكى الجيران مواساة لمصابهم .. إلا فاطمة بكت مرتين حزنا على فراق زوجها وخوفا من المستقبل القاتم الذي ينتظر أبنائها .. وما هي إلا أيام قلائل حتى بدأت الموارد يخبو وهجها ؛ المأكل خف المشرف أزف الملبس على وشك البلى .. هنا تجردت فاطمة من الأثواب الفارهة والعباءة الناعمة . لبست ثوب الجد واتشحت برداء العزيمة ، ونذرت نفسها لأبنائها .. تقدم الشباب لها طمعا في جمالها وروعة أخلاقها وصفاء معدنها . إلا أنها رفضت مطلبهم وأقنعتهم بعدم التردد عليها إذ لا موافقة لديها .
جندت أيام شبابها لفلذات أكبادها .. فامتهنت على غرة من صغارها خدمة المنازل حتى توفر لقمة العيش الحلال . هذا هو عملها تأخذ عليه بضع قريشات وشيئا زهيدا مما يفضل من طعام أهل البيت .
تغذي أبنائها على ما تيسر من طعام وربما باتت تعصر بطنها أثر جوع آلمها . عاشت أبية شاهرة سلاح التحدي في وجه وحش الزمن الكاسر .. كبر صبيتها أدخلوا المدارس .. بات يتوجب عليها مصاريف أكثر ..بكت من غدر الزمان .. وقلة الحيلة لا ريب فهي امرأة .. كابدت وخز الأشواك وطعن الأخشاب وحرارة الرمضاء وعمدت إلى جلب الحطب إلى المنازل .. إضافة إلى خدمتها والحاجة أم الحيلة .
احتالت فاطمة على مرارة الزمن ، وداعبت قساوة الأيام ، ووفرت قريشات لا تكاد تذر .. وهذا ديدنها كل يوم وآخر .. اشتهرت بخادمة الحي ، لقب عير به أبناؤها بين أقرانهم في الأزقة وعلى كراسي الدراسة بين تلاميذ المدرسة وزملائهم في القرية . الأم تكابد الظروف .. الأم تقتحم الصعاب ولم تستسلم لعشرات السنين .
نمت تلك القريشات المخزنة إلى جانب نفحات أهل الجود وما وصلها من أهل العطاء والكرم . فاشترت لها ماكينة خياطة .
احترفت الخياطة بالليل إلى جانب أعمالها بالنهار ..في ظل الأيام السوداء وتحت سقف البيت المغربل الذي لا يقي لهب الشمس ولا يصد زخات المطر ولا يحجب أتربة الرياح نعم لقد احتست مر الظروف على لقمة الأحزان في طبق الهموم .
كبر ابنها البكر .. أراد البحث عن عمل يدر على أسرته رزقا في ظله ينعمون .. إلا أن بكاء الأم ودموع التوسل برجال الحي حال دون ذلك فمرغما واصل دراسته ولا حقته الأم برعايتها وحفاوتها بعد عناية الله وتوفيقه . كانت تلبس بناتها ما يزيد عن أثواب الخياطة وقصاصات الأقمشة بعد استئذان أصحابها وما يرمى عليها من إعانات .. واصل الابن دراسته تابع تقدمه التحق بكلية الطب تحت إصرار أمه ورغبة خفية منه عاش حياته الجامعية على مكافأة الجامعة التي لا تفي بمستلزمات الدراسة ومطالب الحياة ولكنه الإصرار نحو تحقيق الهدف .
تخرج الابن محرزا المركز الأول والتقدير الممتاز .
وعاد الابن إلى قريته مع الأصيل حين عودة العصافير إلى أعشاشها وقد أرسلت تغريدها يملأ الكون بهجة وحبورا .
تلألأ وجه الأم فرحا .. وارتعش وجدانها فخرا ، تبلجت أوجه الأحزان !!! تراقصت الأخوات وتراكض الأخوان ، ارتفعت أصوات الزغاريد بصورة صاخبة .. تفاعل رجال الحي مع فرحة فاطمة المسكينة ابتهاجا بابنها الدكتور .
خادمة الحي .. لقب أحرقته تلك الفرحة .. خادمة الحي لقب طمسته أحرف تلك الشهادة .. خادمة الحي لقب ودعته الألسن مع زغرودة باتت تجلجل .. خادمة الحي لقب ركلته الأقدام مع كل رقصة فرح تزلزل .
لبست الأيام فستان الفرح ، وأبحرت الأم في أمواج السرور .. وانحدر من على خدها المحروق من لفح الهواء الساخن دمعة سقطت على الأرض تشكلت على هيئة كلمات مضيئة مضمونها (( حمد لله جابر المنكسرين ))
لم تذق للنوم طعما .. غاصت في خيالاتها .. تغسل آلامها ، انفلق الإصباح ، درجت في فناء بيتها فإذا بجارتها
تناديها يا فاطمة .. يا فاطمة .. يا أم الدكتور . 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى