مقالات

جرد للأشياء

لا أتذكر الأمر الذي كُنت أفعله قبل دقيقة من الآن، ربما مرت الدقيقة الآن وأنا أكتب لك، لكني لا أزال في الشعور الفارغ الذي يخبرني أن أمرًا ما قد أصبح في طي النِسيان،
أمرٌ مهم لا يسعني تذكره، و الصداع الذي في خلف رأسي لازال يستمر، كما لو كان حافلة صباحية تأتي في موعدها ولا تتأخر، حتى تنقل العمال إلى مقر العمل، هو يأتي في وقته، في كل مرة أَشعر فيها بأني نسيتُ أمرًا ما مهمًا جدًا، وبأني تخلفت عنه بسبب الانشغال الدائم، والتفكير المزدحم، آلمني ذلك وعلمتُ أني قد وصلت إلى مرحلة متقدمة من هذا الداء الغريب والمخيف حين وجدتني في عطلة نهاية الأسبوع أفزع لمجرد أني استيقظت متأخرًا عن قائمة طويلة عالقة في ذهني ولا أدري متى الوقت المناسب حتى أُنهيها وأرتاح، فأصبح الأمر يقَّيدني إلى درجة بقائي في السرير بعد استيقاظي لمدة تتراوح بين ست إلى خمس ساعات، أقضيها في التفكير المستمر فيما لو كنت سأمتلئ بالطاقة الكافية لإنهاء هذه الأعمال، وبعد مرور كل هذا الوقت أثناء استغراقي في التفكير يخيل إلي أن الوقت قد مضى وبأني أحتاج فعلًا لبداية يوم جديد حتى أستطيع أن أكون مفعمًا بالطاقة الكافية للإنجاز.

س:أخبرني عن الأشياء التي تفكر بها عند استيقاظك؟
هل تقصد الأمور التي أفكر في إنجازها؟ أفكر في أني سأنهض ثم سأتجه إلى المرآة و سأقف أمام وجهي المتجهم في الصباح وعيناي الحساستين من الضوء، خطوط الغضب واضحة على جبيني كما لو كانت خريطة متكاملة، أفكر في تبديل ملابسي وغسل وجهي وأسناني ثم بعد ذلك أحضر الفطور، وأجلس على الطاولة لوحدي أقلب شاشة هاتفي الخالية من الأحداث الممتعة، والمليئة بالقوائم الغير مهمة، شراء جوارب جديدة، تغيير علبة السكر… الخ..

أعرف تمامًا أنَّ نظام الفلترة في دماغي معطوب، إذ أني أراكم في داخلي كل الأشياء التي كان من المفترض أنها قد انتهت، لكنها بالحقيقة توقفت في المنتصف، ثم حُذفت من الذاكرة.. وضاعت، وحين وجدتها قررت أنني يجب ان أعيد الكره مره أخرى حتى نبدأ بالبداية، ولهذا فأنا لا أتخلص من أي شيء أتعرف عليه، ويساورني شعور ما بأنَّه من حقها أن أتذكر وبأن لا أنساها أو أهمل حقها في البقاء، لقد دُهشت كثيرًا حين فتحت درج خزانتي الكبير عندها اكتشفت أني لم أقدر حتى على جرد جواربي، التي كنت أرتديها في فترة ما من الزمن، منها تلك التي أضعتُ الزوج الآخر منها، ومع ذلك لا تزال مكومَّة، كذلك الأمر يتكرر حتى مع الأشخاص الذين انقطعت عن الاتصال بهم،
لم أقدر على حذف أرقامهم، على الرغم من صمتهم لسنوات طويلة، هم كذلك في ذاكرتي تعيّن علي أن أكون مكتضًا بالمهم والغير مهم، وذلك الهامشي الذي قد يكون في يوم ما جوهر حياتي، بدأ الهامش ينتصر على المعنى الأساسي لحياتي وقيمتي، لأني لا أعرف أي معنى أُكوِّنه، ولماذا أنا هنا، وبأي حقيقة ما سأندمج، ومتى يكون موتي المعنوي، لأني أعتقد بأن الذي يعتريني الآن هو انسلاخ ما من روحي التي لا أعرفها، كيف لي أن اتفحصها وأن أعرفها وهي مسلوخة، تعبت من فكرة إرتداء قناع الآخر، قلبي يقول بأني لست الذي أنا عليه الان، ولكني أستمر وكأني في دائرة، بل وكأني جسد الدائرة، إن اخترت التغير عليّ أن أقطع جزءًا ما مني، حتى أتحرر، لكني لا أعرف أين بالتحديد، ولست جراحًا ناجحًا، وهل يعالج الجراح نفسه بيديه؟ مع كل الاحتمالات الضئيلة هو قد يفعل لكن بدون تخدير، وسيصرخ صرخة استغاثة تتخطى حدود الحياة وقد تصل إلى الموت، وقد تسقط في مكان ما لا يعرف عنه أيُّ أحد.

بقلم _ رغد محمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى