تطوير الذات

تأملات في الذات

بعد المضي في العديد من مراحل الحياة، المرتفعة والمنخفضة على حد سواء تبادر لذهني سؤال
لماذا لا نتعرف على أنفسنا في الماضي؟

‏لو قابلت نسختك القديمة، في مقهى تألفه، وتحدثتما سَوِيًّا هل تُراكما تتفقان؟ على أقل تقدير قد تجد نسختك في الماضي تشرب الشاي بِالسُّكَّرِ، وأنت امامها تعقد حاجبيك مُشْمَئِزًّا من فكرة تخيلك نفسك وأنت تتذوق الحلاوة الشديدة التي تغطي على نكهة الشاي..

لو وقفت أمام بركة ماء مطَريَّه، ونظرت لوجهك، عينان في العينان.. وفم في الفم هل يا ترى تقول كما تقول، أو تفكر كما تفكر…؟
‏هل يا ترى تلاحظ أن طولًا ما تغير، أو أن قطرة فاضت وصارت بحر، أو بحرًا غار وصار قطرة!

كم شخص هو أنت لكنه انفصل عنك عند عتبة زمنية معينة؟ كم وجهًا تركت على طاولة المكتبة بعد قراءة كتاب؟ وكم يدًا نسيتها معلقة على مقابض الأبواب التي كنت تركض إليها وكأنها المنفذ الوحيد لخلاصك؟
‏كم شخصية اندمجت معك، حتى خلقتما لونًا جديدًا هو حصيلة لونين دخلا حيز المشاركة؟
كم رغيف ضحكة تناولته على مضض، كي لا تجوع قلوب أحبابك، وفي عمق الحالةِ أنت تصلي ألا تكون هذه الأخيرة التي تفضح مياه الخزان الذي ما عاد قادرًا على إخفاء فيضانه، فتتسرب عبر الجدار بقعة رطبة مجعدة وكأنها توشك على تقبيل اَلنِّهَايَات انهزامًا على ركبتيها؟

ألقى نظرة سريعة.. على أوراقك المهملة في أسفل الدرج، وعلى تلك التفاصيل التي تركتها وأنت تقرأ كتاب، وعلى رسائل الصيف، ورسائل الشتاء التي لا تخلو من أوراق أزهارك المجففة من الماضي، تبعثر مع الحيرة وأنت ترى رسائلك التي تبدو رطبة للغاية.. حمراء للغاية.. حادة للغاية.. مثقوبة..
بسهام الوقت البطيء.. تمعن في أيامك التي كونت صَفًّا من بنات أفكارك المتشابهات، وكأنهن يلعبن “فتحي يا وردة” مجتمعات لا يتفرقن.. بل يأتين جماعة، متصلات لا تقدر على التفريق بينهن..
‏يحاوطنك من كل الجهات.. أسيرًا يخاف.

وجهك هل ترى وجهك؟ ما هوية الأمس إن لم تكن قادرًا على التذكر.. وجهك صار وجهًا لشخص آخر لأن روحك لم تقتنع أن هذا الوجه جزءٌ مهم منك.. وكأنك روحاني الهوى.. تغرد خارج سرب المادة.. تحب الأفكار.. الخلود.. الأبدية.. مِثَالِيّ لا يعرف طريقة أخرى سوى أن يضع أفكاره تاج زهورٍ على رأسه، يشمه عِطرًا حتى تموت الحيلة.. فتصبح جافة أو تنام إلى العفن..
‏لأنها في قعرٍ لا تصله أشعة الإفصاح.. ولا أيدي الواقع..

ما أنت الآن؟ أمام صفوف الأيام الا الشخص الذي تجاوز ١٠٠ احتمال تفوقت على عدد وريقات الزهرة التي وقعت بين يدي عدادٍ يؤمن بالاقتراع، لا بالاختيار.. أو الانتقاء..
‏وجه واثنان وثلاث وأكثر من أربع..

‏لستَ احتمالًا واحدًا.. أبدًا يا عزيزي الذي لازال يحاول.. إن يصل لنقطة ثبات وهو يتحرك..
جنينًا للسؤال، طفلًا للملاحظة، مرهقًا بالتفاصيل، شبيب الركض، كهلًا ثقيلًا يتوازن بعد تخطي المجازفات، حتى تَبْيَضّ عوالمك عند نفس السؤال الأول، وتدرك متأخرًا أنه ليس من إجابة تسد فم السؤال، بل ثمة طريقٌ يقود للاستمرار في التفكر..
عانق جيشك الذي تشعب داخلك منذ بدايةِ وجودك.. كلهم احتمالات واردة لتكون (أنت)

🖋: رغد محمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى