مقالات

المعرفة القاتلة

«ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالةِ في الشقاوة ينعم» المتنبي.

يتراوح مفهوم المعرفة بين إضاءة نسعى إليها جميعًا، وبين تخويف بالوقوع أمام صدماتها القوية، ما حقيقة القول الذي يتماشى مع حديث (المتنبي) السابق، وبين الحقيقة التي تعلمناها منذ الصِغر بأن (العِلم نور) وأن طالب العلم مرتفع بعقله، مهذب في خلقه، يبتعد بذلك عن شرور الجهل وهو بذلك يكون أسعد؟!
لا ننكر أبدًا أن المعرفة قد تكون صادمة، تخيل مثلًا أنك عرفت حقيقة (الإنسان) وكانت لديك صورة تخالف هذه المعرفة، ولنقل أنها معرفة صادمة تتطلب بذلك احتمالًا هائلًا للأمور التي (سنهدمها) لأجل هذه المعرفة وللأمور البعدية التي (سنبنيها) بعد هذه المعرفة.
في خضم هذا كله نلاحظ حقيقة أخرى تتعلق بفهم مفهوم المعرفة نفسه، فقد يرى هذا الانسان أن المعرفة (مقدسة) بل و (مطلقة) أي أنها عندما تجيب على أحد الأسئلة يعني هذا أن الاجابة ستكون صحيحة لا محالة، وإذا كانت صحيحة مطلقًا، يعني ذلك أن المعرفة تتوقف عندها، وهذا لا يتوافق مع استمرارية المعرفة في البحث عن تصورات جديدة تناسب الواقع الجديد والإمكانات الجديدة، فحتى الدراسات العلمية والأبحاث تستمر بالتقدم، وتصحيح بعض نتائجها في الماضي بنتائج أكثر فاعلية وأكثر دقه وأكثر نفع.
نرى من خلال هذا أن صاحبنا الذي شقى بمعرفته هو بالضرورة توقف عند “معرفة” ستمضي في طريقها لامحالة بينما توقف هو عندها عند عتبة (ماضية)
في مثال واقعي تتضح الصورة، فلان الذي سأطلق عليه اسم (أ) ذهب للأخصائي النفسي ليستشيره في أعراض غامضة تحدث معه، وصف (أ) الحالة بتفاصيل للأخصائي وبعد عدة جلسات، أتت اللحظة الحاسمة لحظة (المعرفة) يقول ألف في نفسه (ما الذي أعاني منه؟) بتعلق شديد لمعرفة هذا الذي أصابه، فيقول الأخصائي : يبدو لي أنك مصاب باضطراب نفسي يدعى …….!
فينهض صاحبنا من محله، خارج العيادة ويترك الجلسات العلاجية، متعلقًا بحقيقة إصابته بالاضطراب النفسي الذي ذكره الأخصائي، دون أن يذهب للجلسات، باقيًا في صدمته وحزنه الشديد من تحول شكه وظنه ليقين.

صاحبنا (أ) توقف عند المعرفة مما شكل هذا له عذابًا لأنه ظنها نهائية لا تتغير،
لكن لو استخدم (أ) المعرفة بطريقة سليمة أي تعاون في تحقيق سير المعرفة لأصبحت إضاءة كبيرة في حياته، فهو الآن يعرف ما الذي أصابه، ويتجه نحو حله عبر علاجه.
هكذا تتحول المعرفة لعمل مستمر ومحاولات في التقدم باستخدام أفضل الحلول المتوفرة حاليًا وتبني الطرق الجديدة التي تحوز على نجاح أكبر.

بقلم – رغد محمد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى