مقالات

الصامت المتحدِّث

لم أرَ في حياتي وجهًا مثل هذا، بلا خطوط، ألا يضحك؟ ألا يبكي؟ ألا يجعل من نفسه إنسانا (متكلمًا) ولو مرة؟

جلس هذا الذي خشيته بهيبته التي لا غبار عليها، وبقي ضيفًا ثقيلا كأنه ينتظر مني أن أراقب فحسب، بعيون متأملة، لكني بدأت أقضم أظافري من القلق، ماذا عنده ما الذي يخفيه؟ لماذا ينظر إلي وكأنه قال، وهو لا ينطق البتة!

لا أحتاج لإخبارك بأنه وبقدر محاولتي اكتشافه وابتسامتي المصطنعة له، لم يبتسم أو يكشر أو حتى يتبلور في داخل انفعال واحد لأستطيع من خلاله أن أكشف عن أمر ما، وإن كان صغيرًا هذا كفيل بجعلي أطمئن.

حالةُ شكٍ نامية في داخلي، لا أستطيع أن أحتويها البتّة ذلك لأنها تشعرني وكأن عناكب عديدة وصغيرة لا أراها تمشي على جلدي، قريبًا ستدخل إلى جوفي أحاول أن أحك جلدي، أن أقفز من محلي، أن أنفضني مثل سجادة جدتي القديمة ذات الخطوط الزرقاء والأشكال الهندسية، لكني لا أزال أشعر بعبورها فوق حواسي، مثلما تظل الخطوط والأشكال ثابتة في السجادة وإن نفضتُ ما يعكرني معها، مع ذلك أُحس بأن أمرًا ما تحرك في لحظة تفكيري الداخلي هذا، صانعًا هاجس كبير لا يمكنني إلا أن أعترف أني حين قابلته مضطرًا للتكلم مع نفسي لأن أحدًا لا ينطق ولا يشارك هنا غيري، شعرت وكأني مقصوص الجناح في داخل القفص الصامت الذي دققت عليه بالنظر بعد أن كان الخارج المزدحم يلهيني عنه.

إن الصمت الساكن المهيب الذي يجلس خلالنا أو أمامنا يجعلنا نتحدث مع أنفسنا بصوت مسموع، هو يقدم لنا خلفية لا تستغني عن وجودها الموسيقى، وإلا كيف تكون دونه؟

الصمت صوتٌ للكلام الخفي، وأرضية واسعة يمكنها أن تحمل أجساد الموسيقى على اختلافها ويبقى مع ذلك متوالفًا مع الإيقاع، وكأنه خطوط السلم الموسيقي، والكلماتُ الداخلية علاماته المرسومة.. وكما يحدث مع الموسيقى يوجد سلمٌ في داخلي، أطبعُ عليه خطواتي المسموعة أثناءَ حلوله فيّ، هكذا الصمت يعمق علاقتنا بذواتنا، لكننا إن أجبرناه على الحلول في دواخلنا ليدافع عنا فإنه سيستمر في دفاعه هذا عبر قتل كلماتنا الداخلية، أمان زائل وسريع، يتركنا في وجعِ الإنكار والظلمة، ولأنه اقترف هذه الجريمة سنستمر بالحزن لأنه حرمنا من صنع حوار داخلي لنجسر به الطريق للخارج عبر صنع علامة خارجية تجعلنا أيضًا جزءًا من الموقف.

الكاتبة: رغد محمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى