مقالات

الركلة الأخيرة

‏ بدأ الأمر يتضح لي عندما راجعتُ ذكرى قديمة حدثت لي وأنا في الصف الرابع، سرقت من صديقي قميص نادي الهِلال الأزرق، كان صديقي فرحًا بهدية والده المفاجئة له، ومع ذلك كنت متحمسًا عند عودتي للمنزل، ذهبت باستعجال لغرفتي، فتحت كيس الكتب الذي أعارني إياه وأخرجت القميص الذي دسسته خُفية بين الكتب، وتركتُ الحقيبة تنزلق ببطء حتى وقعت على الأرض بينما كنت مشغولاً بارتداء القميص وحين انتهيت عاينتُ نفسي دون أن أقترب من المرآة للنظر، لكني حين هممتُ بالخروج كعادتي توقفتُ عند اللوح الكبير، الذي ثبتته أمي على الجدار، حاملًا صورة الفتى المعجزة، دققت النظر في انعكاسي الطفيف على قطعة الزجاج المثبتة على الصورة -صورةٌ ليست لي- بدأ حينها انعكاسي وهيئة الفتى قد صارت واحدة، الفارق الوحيد أني لا أزال خارج الصورة، بينما يظل هو مستحقًا لحظة حصوله على الميدالية الذهبية في مسابقة الرياضيات الدولية، محاطًا بالحُبّ.
خرجت للفناء حاملًا كرة القدم وأخذتُ أمرر الكرة في هذا الفراغ الكبير حتى تعبتُ من الجري، فلم أجد ‏غير الحائط ينفع ليكون المناور الآخر لي، ضربت بقوة فارتدت الكرة إلي، واستمرت بالركل.
(صوتُ جِلد الكُرة وهو يصفع عِظام الجدار الصلبة مألوف، كُنت أسدد بينما مشهدٌ كامل يعيد تشكيل نفسه في داخلي، مشهد مألوف)
صوتٌ آخر قاطع انغماسي، صوتُ اهتزاز مفاتيح الباب الخارجي، وظلُ والدي طويل القامة، وحين فُتح الباب، نَظر ناحيتي فتطايرت شجاعتي ،عرفت حينها أن دوري انتهى من الركل، أسرع إلي هائجًا بتكشيره صفراء وتجاعيد ناقمة، شدني من ياقة قميصي للأعلى صارخًا في وجهي:
هل ربيتك على أن تكون لِصًا؟!
مع كل كلمة مقطّعة كنت أقولها كانت هناك ضربة تمحو كل تبرير عدا كوني أكرر أنا آسف
والدي أنا آسف.
لاحظت أمي خلف باب البيت الداخلي تضم ذراعيها النحيلتين وتنكمش مع كل ضربة، لكن دون أن تفعل أي شيء، أنا بدين ولن تكسرني ضربة ولا ركلة لتويّ ركلتُ الجدار والآن دوري لأكونه (هكذا كنت أحدث نفسي)
ذراعي قوية لحماية رأسي الغبي والكبير من صفعة قادمة، رأسي الذي يبغض والدي قلة فهمه، سذاجته، وعدم انصياعه للأوامر.
بالغ والدي في ضربي ذلك المساء، فقد حمل حذاءه الجلدي الكبير، وصار يضربني حتى وجَّه الضربات لرأسي ،وسحب أذني حتى التوت وارتفع صوت الطنين،
حتى بان صوتُ أمي أخيرًا: لقد فهم درسه لا تُغضب نفسك أرجوك.
(تسارع أمي دائمًا لإطفاء ناره، بينما أظل أنا غارقًا في جروحي. )
بِصرامة قال:
إرفع يديك ،
خلع والدي عني القميص الأزرق، وجعلني أقف مرفوع اليدين عاري الصدر مثبتًا عيني ناحية جدار المنزل الخشن قال والدي: إياك والحركة.
وبقيت على هذه الحالة واقفًا بيدين مرفوعتين لا يمكنها مجاراة طول الجدار ولا ستر هيئتي المكشوفة والمُرَقَّعة،
ظن والدي دائما أنه سيصلح أخطائي عندما يَرَقعُ جسدي المذنب، بعدد هائل من الشعيرات الدموية المنفجرة تحت جلدي حتى كونَّت رضَّة مثل رقعة أغلقت ثقب الخطيئة بسبب رغبة تسربت للخارج مني، وهناك تحديدًا وكما أراد والدي لم أنكسر، فقط تفرقَعت نفسي في نواحي متعددة،
لم يكن والدي الضارب الوحيد في عمق نفسي، ‏كانا كليهما يحدثانني عن الأشياء الجيدة والجميلة من خلال نماذج خارجية حتى أصبح كل ما بالخارج يجعلني متلهفًا له، لأنهما يلومانني على نفسي، ويتمنيان لو كنت مثل ما يحبان، محققًا رغبتهما، لا تماشيًا مع واقعي وقدراتي”

تكمن الإجابة في قلب بعض الأسئلة التي نطرحها، وغالبًا تكون إجابات قد أُخفيت عنا، تمامًا مثل السؤال الذي صرخ به والدي:
هل ربيتك على أن تكون لصًا؟!
بعد مرور هذه السنوات الطويلة عرفت أنني كنت عبارة عن شخص لا أعرفه إلا من خلال النظر لحسنات الآخرين والرغبة في تمثيلها أو تملكها، شخص غلف نفسه بالعديد من الرقاقات الملونة، رقاقة بعد رقاقة، حتى نسي لونه، وأحبَّ بشدة اللون الذي أحاط به، اللونُ الخارجي والمسروق من شخص آخر أراد فعلًا أن يكونه.

بقلم – رغد محمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى