مقالات

أنا آسف والكلماتُ المبتورة

بقلم 🖋: رغد محمد

الجملة والكلمة المبتورتان من السياق، تُقرأ بطريقة عامة، الأمر الذي يجعل كثير من الأشخاص الذين يحاولون قراءة اللغة من خلال مرجعيتهم العامة، يقرؤون الحالات الخاصة (بتعميم) لاعتمادهم على المعنى العام، فهم يسقطون في خطأ وهو عدم التمييز بين الكلمة أو الجملة إذا وقعت في سياق معين وبين التي يقرؤنها مفصولة عنه كما في المعجم، وكلمة آسف في المعجم ترينا عددًا من المشاعر مثل الحزن والحسرة والندم وتأتي طلبًا للاعتذار والمسامحة،ونحن نرى في يومياتنا ونقول كذلك للشخص تأسف لأنك مخطئ؛ طلبًا للسماح.
لا يمكن فصل النفس عن اللغة، وتستطيع من خلال اللغة أن تفهم النفس، ويصعب ذلك على الشخص الذي يحوط نفسه في فهم سطح الكلام واستنتاجه لمعناه من خلال المعنى العام فقط.
قد يستخدم الإنسان اللغة، لكن بوجهة نظري أرى أن اللغة في حالات كثيرة هي من تتحكم به، والذكي من يعرف كيف يقرأ ماخلف اللغة والكلمة والجملة من خلال السياق.
لماذا يصعب على الكثير قول كلمة (لا) ؟
لماذا لا يستطيع الإنسان أن يكون مباشرًا ويصرح بكل مطالبه ورغباته وآرائه وأفكاره ومشاعره من خلال اللغة حتى وإن ملك قدرة كبيرة على استخدامها؟
لو فتشنا في داخلنا سنجد أنه وبشكل مستمر لدينا كلمات نصنفها كبدائل “غير مباشرة” لتلك “المباشرة”
لماذا نضع في اعتبارنا، أن نغلف كلماتنا بطريقة لطيفة وغير حادة؟
بطبيعتنا نهتم بصورتنا أمام الآخرين، ونهتم بالقبول من قِبلهم.
يعيش الإنسان ضمن مجتمع، حتى وإن برزت صفة الاستقلالية والتفرد، يبقى الإنسان عائدًا لمجتمعه الذي ينتمي له، وكذلك يبحث عن جماعات توفر له جانب الانتماء، وفي صيرورة الحياة الطبيعية يكون الإنسان جزءًا من أسرة ثم يكوّن هو أسرة، والأسرة لبنة المجتمع الأولى.
والإنسان أثناء تواصله مع إنسان آخر عليه أن يربي نفسه ويقوّم لغته.
السياقات الثقافية تجعل للغة خصوصية، وهنا نستطيع أن نرى اشتراكًا في استخدام بعض الكلمات، والمقبول وغير مقبول والرائج منها.
كل هذه الأمور تدخل في تحليل وتفسير مايقوله الآخر، من عمق وليس فقط من سطح أو من جمله مبتورة.
في جو تفاعليٍّ لطيف سألتُ أصحاب تويتر هذا السؤال:
لماذا نعتذر؟ وهذه بعض الإجابات.
“حتى لا يقال عنا أننا قساة”
“لاستمرار الحياة”
“لقتل الأنا”
“الاعتذار هو تجاوزٌ بالاختيار
‏أُرِيدُ حِبَاءَهُ وَيُرِيدُ قَتْلِي
‏(عَذِيرَكَ) مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادِ”
“حتى لا نخسر من نحبهم”
“نعتذر لاعتراف حقيقي حصل عند الغضب”
“لأن الإعتذار من المُخطئ خُلقٌ رَفيع، ما اتسمَ بِهِ غير الصادقين -الكرامَ المؤدبين-،ذوي الثقة بالنفس، و هم أهل في تحمل المسؤولية و مُجابهةِ أخطائهم، و هُم بذلِكَ أهلٌ بالثقة..”
“لأنها ثقافة”
“للمسامحة والمغفرة”
“لنرتاح من تأنيب الضمير”
“الاعتذار ضعف”
واجبتُ بنفسي على السؤال بعد تأمل:
نعتذر لأننا منهكون.
‏ لأننا نخاف من فقد عزيز.
‏ لأننا نحارب الطبيعة الخطاءة فينا.
‏لأن الحقيقة قد تكسر إنسان آخر.
‏ لأننا حاولنا الخروج من الحياة المفروضة علينا.
‏لأننا لمحنا خط نهاية قصةٍ ما.
‏ لأننا جرحنا مبدأ آمنا بِه في داخلنا.
نعتذر لأننا راحلون
‏وأحيانًا لأننا مصيبون
‏نعتذر لأننا أخطأنا
‏نعتذر بدافع الضمير
‏نعتذر بدافع المراجعة
‏نعتذر لأننا عالقون وهذه هي الطريقة الوحيدة للمضي.
‏نعتذر لأننا نادمون، نسند رؤوسنا لوسائد الحسرة.
وفي لمحة أخرى:
أنا آسف؛ تعني أحيانًا
‏توقف عن ما تفعله معي.
‏أي أنها تقال أحيانًا كما لو كانت:
‏زرُ إيقافٍ دبق، يضطرُ إليه الإنسان
‏وإن لم يعرف ما خطؤه لأنه تحت رحمة
‏أسلوب معاتِب سيء.
اللغة أعمق بكثير من تأويلنا لها بطريقة جامدة ونجعلها ترتكز على معنى واحد، وإن تكررت الكلمة والجملة مع اختلاف الموضع يظهر معنى آخر مختلف؛ بعد قراءتك لهذه المقالة لماذا نعتذر برأيك أنت عزيزي القارئ؟

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى