القصصمنوعات

أصدقاء جيدون

 

شعرت بالوحدةِ و انا اسكنُ في شقتي الضيقة دونما فردٍ من أُسرتي، قررت أن أخرج للشارع لأتمشى فلربما أصطادُ شيئاً مشوقاً يًثري أيامي الرتيبة فكما يُقال: (استيقظ مبكراً لتكسب حظاً وفيراً) لستُ من الذين يؤمنون بالأقاويل المنتشرة، و لكنني مع ذلك احتاجُ إلى شيءٍ يدفعني للأمام حتى استطيع الجري بسرعة،  خطفت بصري لافتةٌ على طرفِ الشارع الذي أسكن به كُتب عليها “مقهى الأصدقاء الجيدون” قلتُ في نفسي : انا صديقٌ جيدٌ للقهوة ولا اظن بأنني سأحظى بصديقٍ من نفس جنسي، فقد أرحب بالكُرسي عوضاً عن بشري يعرضُ علي فجأة أن أكون صديقًا له..!
رن الجرس فور دخولي ثُم شقت طريقها الكلمة المعتادة: مرحباً سيدي. دار في خلدي بأنهم يرحبون بمحفظتي التي دسستها مستعجلاً في جيب بنطالي الخلفي الضيق.
– مالك المقهى : تبدو لطيفاً بالجينز الأزرق سيدي .
– انا : ارجوك لا تخبرني بشيء أعرفه مسبقاً .
-مالك المقهى : حسناً يبدو أن لزبوننا ثقةٌ لا تتزعزع, إذا ماذا تريد ان تطلب؟
– قهوة سوداء و ضع السكر خارجاً.
– حاضر.
شَبكت كفيَّ كما أفعل في العادة ثم قلت:
والآن اخبرني ما سبب اختيارك لأسم المحل “أصدقاء جيدون” أنا لا أرى حولك أحدًا ما, و على ذكر ذلك كيف لك أن تعمل وحيداً ؟
– مالك المقهى يحرك ذراعيه وكأنه يشير لأحد.. وأردف قائلاً : أوه كيف لك أن تجلس بينهم دون أن تلقي التحية عليهم، قل لي ألا تراهم؟ بالرغم من جُلوسك المتعمد على رأس أحدهم.
– أنا: هل جننت ؟ كيف لي أن أجلس فوق رأس أحدهم دون أن أشعر؟!
وقفت من الرعب لأتأكد هل جلستُ على أحدهم بالفعل أم لا؟
حتى انفجرتُ غاضبًا: لا أرى غير الكرسي قل لي هل تسخر مني يا هذا!
– مالك المقهى : ماذا ؟ ألا تشعر بأن الأماكن الجيدة هي الأصدقاء الجيدون؟ هذا وأنت قد عِشتَ وحيدًا طوال الأشهر الماضية, لم أكن أعرف هل تعمل أم لا, و لكنك فعلاً تبدو عاطلاً عن الحياة, تُدخن سجائرك في الصباح ثم تركض دون هدفٍ خلف الدخان المنبعث منها.
أنا: والآن اتسخر مني !؟
– مالك المقهى :  أنا لا افعل و لكنني لطالما كُنت اراقبك من زجاج واجهة المحل, لقد كُنت تثير فضولي لسبب ما.
– أنا ارتعش الآن يا هذا ! هل تراقبني ايضاً ؟ ثم ما أسبابك التي قد تجعلك تراقب شخصاً لا تعرفه ؟
-مالك المقهى: أتعلم ما السبب ؟ إنها المرةُ الأولى التي ارى فيها شيئاً ثابتاً ويتحرك !
– و كيف لك أن تعرفني؟ ولما أنت واثق جدًا و أنت تصفني! إنها المرةُ الأولى أيضاً، المرةُ الأولى التي أقابل فيها شخصاً يتحدثُ بهذه السهولة يطلق الأحكام التي يراها من زاويته بل ويصارح دون خوف من السقوط ناحية الوقاحة!
– مالك المقهى : قد تكون المرةُ الأولى لك ولكنها المرة الخامسةُ و الثلاثون على التوالي بالنسبة لي, لقد كنت انتظرك, و قد كانت اللافتةُ طُعماً جيداً لك.
– انا لا افهمك ابدًا , و أيضاً أحب أن أقول لك بأنني أكره المطاردين، بالرغم من كوني أمتلك كلاباً وقططاً كثيرة !
مالك المقهى : في بعض اللحظات عليك أن تكتفي بترك الأشياء التي لا تفهمها على الجانب الآخر .. و أيضاً أحب أن أضيف لك إنك كاذبٌ بارع كيف لك أن تكذب بهذا الوجه وهذه الإيماءات!
–  أنا : صحيح قد تستطيع ترك شيءٍ ما على جانب الطريق متجاهلاً كل شيء, ولكن ماذا إذا كُنت لا تستطيع أن تتفهم ذاتك؟ هل كنت ستلقي بها في الطريق؟ هناك الكثير من الأشياء التي لن تستطيع إلقائها بكل سهولة.
– صاحب المقهى : ضحك وقال سؤالٌ جيد, و أيضاً لقد تجاهلت حديثي عندما سألتك عن الطريقة التي الرائعة التي تكذب بها !!
أنا: إذاً لنكن رجالاً و لنجب في كل مرةٍ على سؤال واحد, و ما إن ينتهي الطرف الأول يبدأ الطرف الثاني بطرح الأسئلة.
– صاحب المقهى: لك ذلك، و أيضاً تفضل قهوتك.
– شكراً لك, و الآن اجبني على سؤالي!
– صاحب المقهى : حسناً, لنقل مثلاً بأنني لا افهمني ! و لكني مع ذلك مضطر للتعايش معي و ليس مع غيري ” أنت تبقى انت ” و أيضاً لكلٌ منا عمقٌ صعب, عليك أن تبحث جيداً بداخلك في المقامِ الأول قبل أن تتعرف الأشياء الخارجية, والآن اجبني عن طرقك المحتالة!

– حسناً إجابةٌ لطيفة, و لكن كيف لك أن تنعتني بالمحتال؟ و لكني مع ذلك سأجيبك بما أننا أتفقنا, لقد درست علم النفس عندما كنت في الجامعة, تعلمت كيف تبدو علامات الكذب على الكاذب لذا أنا اتجنبها بقليل من التدريب, و أيضًا تلك لم تكن سوى نصف كذبه فأنا حقاً املك حيواناً اليفاً.
– مالك المقهى : أتقول نصف كذبه؟ وكيف ذلك؟
– لقد نسيتَ بأنه دوري في طرح السؤال ! والآن اجبني, منذ متى و أنت تعمل هنا ؟
-مالك المقهى : احم .. حسناً لقد عملتُ حوالي 6 اعوام هنا.
– ليس بالوقت الطويل, و لكن أثاث المتجر لا يبدو حديثاً مع ذلك, أتكذب علي؟

– مالك المقهى : لقد خرجتَ عن القاعدة .. و لكني سأجيبك, هذا الأثاث يعود لمتجر أبي القديم, لم أستطع التخلص منه, لقد توفي قبل عام من افتتاحي لمتجري, لقد شعرت بحزنٍ شديد وقتها, حتى  أنني بدوت بحالٍ اسوأ من حالك, لقد كنت أرتدي شورتا قصيراً و اذهب ماشيًا حول الحي السكني بلا هدف, حتى أنّ النساء هناك بدأن يشتكين مني, أتصدق انهن كُنَّ يقلن أنني اتقصد المرور كثيراً  لمغازلتهن !؟

– أنا حزين لخسارتك, لم أكن أعلم بأنك تملك جانباً سوداوياً, كالقهوةِ التي احتسيها الآن, ومع ذلك أُحب أن أرى انعكاس وجهي على سطحها, إنه يظهر حقيقة السواد الذي اعيشه, ولكن لا تغضب على النساء يا سيدي إنهن يغضبن على بعضهن ويتقاتلن بينهن بما يكفي.
– مالك المقهى : حسناً .. حسناً ظننت بأني أقف على رأس رئيسة حقوق المرأة الآن, والآن يا صاحب الجراء و القطط, أخبرني ما معنى نصف كذبة؟
– إن كنتَ تريد أن تتعرف على جرائي و قططي فإنك قد لا تستطيع ذلك, على كل حال فإن حيواني الأليف ليس قطاً او كلبا, لذا قلتُ لك بأنها نصف كذبه, و أيضاً أريد أن أعلم كيف لك أن تعرف أنني كذبتُ عليك؟
-مالك المقهى : لم تجب عين السؤال كفاك مراوغة وهربا من هنا لهناك!
بعد صمت دام لدقيقة..
– لقد وصلتُ إلى مرحلةٍ بعيدة جداً, حتى أنني أصبحت أرى في الحزن حيوانًا أليفًا, أُطعمه و أُلاعبه و فوق ذلك أقابله في كل يوم, اخشى عليه من الضياع, لأنه الوحيد الذي جعلني انمو بينما لازلتُ طائشًا.
تنهيدة عميقة حتى قال في نهاية المطاف
مالك المقهى:  أتسألني كيف علمت بأنك تكذب؟ أنت لا تزال كاذباً بارعاً حتى قبل دخولك للجامعة، أنت تكره الكلاب و القطط, و الحيوانات الأليفة, أتريد أن تقنعني بأنك صديقٌ للحزن بعد أن وصفته بالحيوان الاليف,  أنت شخص كثير النسيان, و غير مبالي، و فوضوي, تكره الصاخبين و لطالما ركلت أبواب السيارات التي كرهت اصحابها، تضع السجائر خلف اذنك و تغطيها بشعرك الكثيف المجعد, لا زلت تحب ثني طرف بنطالك للأعلى, ولا زلت تنسى حتى أنك لم تتذكر وجه أعز اصدقائك !!

….
تتدفق الكلمات احيانا مثل التيار البارد، وتنجرف معها كل طريقة تمكنك من التعبير، وإن كانت كلماتك ضعيفة أو كنت تختبئ خلفها لن تستطيع إلا أن تكون في مقام الذي يتعجب.. يصمت .. لكن يشعر..!
– هل أنت…..!
-مالك المقهى : والآن أصبحتَ تحدق في عينيّ بطريقةٍ مباشرة, أرى بأن عيناك الناعسة قد اتسعت جداً, هل عادت لك ذاكرتك؟ لماذا لازالت لديك عادةُ الحديث و أنت مطأطئ الرأس !
– …..!
– مالك المقهى : لما تبقى صامتاً ؟ و الآن هل تبكي مثل النساء؟ ألهذا وقفت بصفهن منذ قليل؟ تبدو عيناك الآن كما عرفتها منذ الأعوام التي مضت، تلمع كالزجاج الذي لن تقف في وجهه اشعةُ الشمس و لا في شفافيته زُرقةُ السماء التي تطل علينا من واجهةِ المقهى الجميلة, و الآن دعنا نعد.. لنكن أصدقاء جيدين يا صديقي, أتسألني عن اصدقائي و أنت كُل الأصدقاء؟!

🖋رغد محمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى