الصحة

أخبرني عن مدخلاتك أخبرك عن مخرجاتك

كم يبدو هذا الأمر وَاقِعِيًّا وملموسًا بالحياة التي نعيشها، فمثلًا الشخص الذي يتناول طعامًا غير صحي (المدخلات) يجد مشاكل مستقبلية أو حالية على صحته (المخرجات)
هناك علاقة واضحة وبارزة بين ما نفعلهُ وما النتائج من ذلك الذي فعلناه، وعلى الرغم من ذلك قد يتساهل الفرد كثيرًا في التصرف حتى وهو يدرك مخاطر تصرفاته؛ لأن الألم لم يحدث مباشرة بعد تصرفه أو الضربة جاءت متأخرة أو بمعنى آخر متدرجة،

وقد ينغمس الكثير من الأشخاص في اللذة اللحظية مبتعدين كل البعد عن النظر للبعيد، وهذا بدوره سيكون قريبًا في يوم ما.
إن أخذنا موضوع الصحة العقلية/ النفسية بعين الاعتبار ومن خلال مراجعة مدخلاتنا سنكتشف أن الأمر متشعب جِدًّا فنحن محاطون بالعديد من المدخلات، فكل شيء نتعرض له يعتبر من المدخلات، ولهذا سيتم التركيز في هذه المقالة على المدخلات التي نختارها نحن وهنا بعض الأمثلة:

مشاهدة برامج التلفاز أو الأفلام والمسلسلات: المشاهد والصور التي نعتاد على مشاهدتها، وارتباطها بفكرة أو بسيناريو أحداث مكتملة كما في المسلسلات والأفلام، تُخزن في الذاكرة، وللذاكرة علاقة وثيقة بعمليات التعلم، وأيضًا هذا يساعد على تكوَّن مفاهيم معينة و اتجاهات فكرية معينة، فقد تعرِض علينا مفهوم وتضعه ضمن قصة لها اتجاه ينتهي بنتيجة، فيربط بيننا وبين الذي شاهدناه ارتباطًا وِجْدَانِيًّا؛ بسبب التأثير الفني، ووجود العنصر الإنساني يلعب دورًا أَسَاسِيًّا في المعروض. لهذه الأعمال وله دور في ظهور الانفعالات: (حزن- فرح- غضب- خوف- قلق) ومن جهةٍ أخرى قد تنقل للأفراد ثقافة معينة وسلوكيات يقوم بها، فيقوم بعض الأفراد بتبني هذه الطريقة، كتعلم اللغة المتداولة والدارجة في مجتمع ما.

تصفح برامج التواصل الاجتماعي:
– المحتوى المحرّض: يكثر هذا المحتوى في وسائل التواصل الاجتماعي، يرينا غالبًا هذا المحتوى نماذج تفكير تميل لناحية التشوه المعرفي، وستجد حتمًا عند التركيز على هذه الخطابات تطرف شديد، الأمر الذي يؤثر على تعاطي الفرد مع موضوعات حياته، بل يجعل انفعالاته تقوده، إلى اكتساب هذا النمط ويصبح سائدًا في عملياته المعرفية فإنه  يضطرب نَفْسِيًّا، كما تحدث (آرون بيك منشئ نظرية العلاج المعرفي) عن حقيقة وجود تشوهات معرفية بارزة لدى المضطربين نَفْسِيًّا، بحيث كانت هي إحدى المسببات لظهور الاضطراب النفسي.
– نموذج الحياة المثالية: يعرض بعض مشاهير مواقع التواصل، طريقة حياة تعتمد على إظهار محاسن لا تتماشى مع الواقع، وبالطبع هذه ليست حياتهم الكاملة ولكن القصة المعروضة للمُشاهد تعتبر كاملة، حتى وإن أكمل هذا المشهور حياته العادية والواقعية من خلف الشاشة، تخزن هذه النماذج مفاهيم مائلة نحو السعي لحياة خيالية غير واقعية الأمر الذي يُبرز مشاعر عدم الرضى، وعدم تقبل الاختلاف الطبيعي، فيطمح الإنسان بحياة أخرى، ويهمل حياته.

العلاقات: سأستند في تقسيم العلاقات إلى التقسيم الذي وضعه الأستاذ طارق القرني للعلاقات وهو:
1- علاقات جبرية
2- علاقات اختيارية وتوجد علاقات تجمع بين النوعين معًا كما في الزواج.
سنتحدث عن النوع الثاني من العلاقات لأنها من ضمن المدخلات التي تقع ضمن حدود الاختيار، سأطرح مجموعة من الأسئلة للتأمل.
ما هو السلوك العام الذي يبرز في جماعة الرفاق لديك؟ ما نوع المحادثات أو المواضيع التي يناقشوها معك؟
ما الأمور التي تشاركها في اهتمامك معهم؟
ما الأمور التي تفعلها معهم في العادة؟
هل وجودك معهم مساهم في تحسين جودة مخرجاتك؟

أثبتت كثير من الدراسات النفسية الاجتماعية، ميل الفرد ناحية المسايرة الاجتماعية في أحيانٍ كثيرة حتى ولو أنه دَاخِلِيًّا غير موافق على فعل أمر معين أو غير مقتنع بفكرة معينة فقط ليحظى بالقبول من الجماعة، إذًا لو كان سلوك الجماعة القريبة منك سيئًا قد تجد نفسك أيضًا تفعل ما يفعلونه، ويتطور الموضوع ليصل تأثيره عليك مَعْرِفِيًّا، أو قد يأخذ شكلاً من أشكال المجاملة الاجتماعية التي تتحول بعد مدة إلى ضغوط قد تصل من شدتها إلى إهمالك لحقك الذاتي في أي مجال من مجالات حياتك.

ختامًا: أشكر الأستاذ طارق القرني فقد كتبت هذه المقالة متأثرة بمحاضراته النافعة، مؤكدةً على أن سر النجاح ليس في الحرمان من المتعة بل بتوجيهها ناحية الطريق الأقرب للسلامة،  انتقاء الجيد سيرينا انعكاسه على حياتنا، أَيًّا كان غذاءً للروح أو الجسد أو النفس وحتى العقل ولنتأكد أن الأمر يبدأ من الملاحظة، ثم العمل على تحسين الحياة، والتغيير الحسن يبدأ من الإنسان نفسه.

🖋: رغد محمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى